محمد حسين هيكل

290

حياة محمد ( ص )

حجر أمهما خديجة ؛ وأنه فقد بناته بعد خديجة واحدة بعد الآخرى بعد أن كبرن وصرن أزواجا وأمهات ؛ فلم تبق له منهن غير فاطمة . هؤلاء الأبناء والبنات الذين تساقطوا من حوله فدفنهم بيده تحت صفائح الثرى ، تركوا في نفسه قرحة ألم اندملت بمولد إبراهيم وأثمرت مكانها رجاء وأملا ؛ وكان جلا له أن يمتلئ بهذا الأمل غبطة واستبشارا . مرض إبراهيم لكن هذا الأمل لم يكن ليطول إلا تلك الأشهر التي ذكرنا . فقد مرض إبراهيم بعدها مرضا خيف منه على حياته ، فنقل إلى نخل بجوار مشربة أم إبراهيم ، وقامت من حوله مارية وأختها سيرين تمرّضانه . ولم يطل بالطفل المرض . فلما كان في الاحتضار وأخبر النبيّ بأمره ، أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف يعتمد عليه لشدّة ألمه ، حتى أتيا إلى النخل بجوار العالية التي تقوم المشربة اليوم مكانها . فوجد إبراهيم في حجر أمه يجود بنفسه ، فأخذه فوضعه وقلبه يجف ويده تضطرب وقد ملك الحزن عليه فؤاده ، وبدت صورة الألم على قسمات وجهه . وضعه في حجره وقال : « إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من اللّه شيئا » . ثم وجم وذرفت عيناه ، والغلام يجود بنفسه ، وأمه وأختها تصيحان فلا ينهاهما رسول اللّه ! . فلما استوى إبراهيم جثمانا لا حراك به ولا حياة فيه ، وانطفأ بموته ذلك الأمل الذي تفتّحت له نفس النبيّ زمنا ، زادت عينا محمد تهتانا وهو يقول : « يا إبراهيم لولا أنه أمر حقّ ، ووعد صدق ، وأن آخرنا سيلحق بأوّلنا ، لحزنا عليك أشد من هذا » . وبعد أن وجم هنيهة قال : « تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون » . ورأى المسلمون ما بمحمد من حزن ، وحاول حكماؤهم أن يردوه عن الإمعان فيه ، فذكّروه بما نهى عنه ؛ فقال : « ما عن الحزن نهيت وإنما نهيت عن رفع الصوت بالبكاء . وإنّ ما ترون بي أثر ما في القلب من محبة ورحمة . ومن لم يبد الرحمة لم يبد غيره عليه الرحمة » أو كما قال . ثم إنه حاول كظم حزنه وتبريد لوعته ، ونظر إلى مارية وإلى سيرين نظرة عطف ، وطلب إليهما أن تهوّنا عليهما قائلا : « إن له لمرضعا في الجنة » . ثم إن أم بردة غسلته - أو غسله الفضل بن عباس ، في رواية أخرى - وحمل من بيتها على سرير صغير ، وشيعه النبي وعمه العباس وطائفة من المسلمين إلى البقيع حيث دفن بعد أن صلى النبي عليه . فلما تم دفنه أمر محمد بسد القبر ثم سوّى عليه بيده ورشّ الماء وأعلم عليه بعلامة وقال : « إنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي . وإن العبد إذا عمل عملا أحب اللّه أن يتفنه » . ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس ؛ فرأى المسلمون في ذلك معجزة وقالوا إنها انكسفت لموته . وسمعهم النبي : أترى فرط حبه لإبراهيم وشديد جزعه لموته قد جعله يتعزى بسماع مثل هذه الكلمة ، أو يسكت على الأقل عنها ، أو يعذر الناس إذ يراهم مأخوذين بما يحسبونه المعجزة ؟ كلا ! فمثل هذا الموقف إن لاقى بالذين يستغلّون في الناس جهالتهم ، أو لاقى بالذين يخرجهم الحزن عن رشادهم ، فهو لا يليق بالنزيه الحكيم ، فما بالك بالرسول العظيم ! . لذلك نظر محمد إلى الذين ذكروا أن الشمس انكسفت لموت إبراهيم فخطبهم فقال : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته . فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر اللّه بالصلاة » . أيّة عظمة أكبر من ألّا ينسى الرسول رسالته في أشدّ المواقف التي تملأ نفسه بالفجيعة والهول ! . لقد وقف من تناول من المستشرقين هذا الحديث لمحمد موقف الإجلال والإعظام ، ولم يستطيعوا كتم إعجابهم وإكبارهم وإعلان عرفانهم بصدق رجل لا يرضى في أدق المواقف إلّا الصدق والحق .